محمد غازي عرابي

1059

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الفاكهة المعقولات التي صارت خالصة للعارفين ، ولحم الطير إشارة إلى التعليم الإلهي لعبده ، إذ الطير إشارة إلى الروح نفسه ، واللحم لب الروح ، كما يكون للجوز لب ، وللوز لب ، فالسر كله في اللحم وأكله ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( خير الطعام اللحم ، وخير الشراب الماء ) ، والإشارتان إلى العلم . والحور العين النساء الشديدات سواد العيون وبياضها ، والإشارة إلى البياض والسواد اللذين هما أساس الوجود العياني ، فما من شيء يخرج عن نطاق الأبيض والأسود ، وكل ما في الوجود يدخل في مجال الأبيض والأسود ولقد اكتشف في الفضاء الذري جسيمات دقيقة ، ولكل جسيم جسيم مضاد وهذا ما قال فيه سبحانه : جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ الرعد : 3 ] ، فالحور العين بهذا إشارة إلى العين الإلهية الجامعة والباطنة للمخلوقات جميعا وللوجود كله ، فما من شيء إلا وله عين هي هذه العين الجامعة . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 27 إلى 56 ] وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 ) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) وَماءٍ مَسْكُوبٍ ( 31 ) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ( 33 ) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ( 34 ) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ( 35 ) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ( 36 ) عُرُباً أَتْراباً ( 37 ) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ( 38 ) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 39 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 40 ) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ( 43 ) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ( 44 ) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ ( 45 ) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ( 46 ) وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 47 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 48 ) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ( 49 ) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 50 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ( 51 ) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ( 52 ) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 53 ) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ( 54 ) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ( 55 ) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ( 56 ) [ الواقعة : 27 ، 56 ] أصحاب اليمين ، أصحاب الجنات التي هي دون جنة القرب والمقام المحمود ، وأصحاب هذه الجنات متكئون على فرش من الصفات والخلال الحميدة ، منعمون في أدائهم العبادات من فرائض ونوافل ، رافلون في حلل بيض ، سيماهم نور ، وأبصارهم نور ، وأجسامهم نور ، فأصحاب الجنة فازوا بالحظ العظيم . ومع هذا ففي المكث في هذه الجنات دون تجاوزها إلى جنة القرب والمقام المحمود الاحتفاظ بآثار من دعوى الأنا والرسوم ، وعابت الصوفية على من ظلت له بقية من تلك الآثار ودعواها ، وقالوا لولا تابع أصحاب اليمين الهجرة إلى اللّه ، وأتموا عروجهم ليبلغوا المقام الذي بلغه النبي وبشر به ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن للّه عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، ولكن يغبطهم الأنبياء والشهداء لقربهم ومقعدهم من اللّه ) ، وقال يحيى بن معاذ : الزاهدون غرباء في الدنيا ،